......أهلا وسهلا بكم في موقع دار الكتب والوثائق الوطنية / وزارة الثقافة والسياحة والآثار ... السلام والتعايش والتسامح والتنوع الثقافي مصطلحات تُعبِّر عن الموروث الثقافي العراقي الذي تعمل دار الكتب والوثائق على حمايته ... دار الكتب والوثائق تهدف إلى نشر ثقافة المحبة والسلام ، لأنّ المعرفة تزدهر بهما ... دار الكتب والوثائق تنشر ثقافة المحبة والسلام، لأنها فضاء خلاق مفتوح للتفاعل الفكري والمعرفي ... المكتبات بوابات المعرفة والثقافة ، ولها دور حيوي في بناء مجتمعات أكثر تسامحًا وسلامًا.. السلام والتعايش والتسامح والتنوع الثقافي مصطلحات تُعبِّر عن الموروث الثقافي العراقي الذي تعمل دار الكتب والوثائق على حمايته ... دار الكتب والوثائق تهدف إلى نشر ثقافة المحبة والسلام ، لأنّ المعرفة تزدهر بهما ... دار الكتب والوثائق تنشر ثقافة المحبة والسلام، لأنها فضاء خلاق مفتوح للتفاعل الفكري والمعرفي ... المكتبات بوابات المعرفة والثقافة ، ولها دور حيوي في بناء مجتمعات أكثر تسامحًا وسلامًا..
الصفحة الرئيسية
فعاليات الحملة
قصص ملهمة
كرةُ القدمِ تُرسِّخُ الوطنَ الواحدَ
الكاتبة هديرُ الجبوري ـ الموصل
خاص بمنصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام، المشتركة بين دار الكتب والوثائق ومجلة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية
يسرّنا أن ننشر هذه السطور التي تحكي من خلالها الكاتبة هدير الجبوري، من الموصل، قصة ملهمة وأوقاتاً مليئة بالفرح والانتصار، حيث عاش الشعب العراقي لحظات لا تُنسى من الوحدة والفخر مع تأهّل فريقنا الوطني بكرة القدم إلى كأس العالم.
*****
كرةُ القدمِ تُرسِّخُ الوطنَ الواحدَ
هديرُ الجبوري
في فجرٍ عراقيٍّ استثنائيٍّ، الأوّلِ من نيسانَ 2026، لم يكنِ الوقتُ مجرّدَ ساعاتٍ تمضي نحوَ الصباحِ، بل كانَ موعداً معَ لحظةٍ ستبقى في ذاكرةِ العراقيّينَ طويلاً، لحظة انتظرها الناسُ في كلِّ محافظةٍ، في المدنِ والقرى، في البيوتِ التي أنهكها القلقُ، كما في القلوبِ التي أثقلها الحزنُ، لكنّها جميعاً اجتمعت على نبضٍ واحدٍ: انتظارِ فوزِ منتخبِ بلادِهم في مباراتِهِ المؤهِّلةِ لنهائيّاتِ كأسِ العالمِ.
لم ينمِ العراقيّونَ الليلةَ التي سبقتِ الفوزَ، كانَ السهرُ مختلفاً، مليئاً بالترقُّبِ، كانَ كلُّ بيتٍ مدرَّجاً، وكلُّ شاشةٍ نافذةً على حلمٍ كبيرٍ.
حتّى الأصواتُ التي اعتادَ الناسُ أن ترتبطَ بالخوفِ، كهديرِ الطائراتِ في سماءِ بعضِ المدنِ، تراجعت إلى الخلفِ، خافتةً أمامَ صوتٍ آخرَ كانَ أعلى منها جميعاً: صوت الفرحِ.
في الموصلِ، كما في بغدادَ والبصرةِ وأربيلَ وكلِّ المدنِ العراقيّةِ الجميلةِ، لم يكنِ المشهدُ عاديّاً، شبابٌ يحملونَ العلمَ العراقيَّ، يُلوِّحونَ به بفرحٍ يفيضُ من عيونِهم قبلَ أيديهم، كانَ العلمُ هذه المرّةَ وطنًاً كاملاً يُرفعُ عالياً، وكانتِ الدموعُ حاضرةً، لكنّها لم تكن دموعَ حزنٍ، بل دموعَ انتماءٍ، دموعاً تقولُ إنَّ هذا الوطنَ، على الرغمَ من كلِّ ما مرَّ به، ما زالَ قادراً على أن يجمعَ أبناءَه حولَ فرحٍ واحدٍ.
ولعلَّ من أجملِ ما رافقَ تلك اللحظاتِ في كلِّ مكانٍ هي التغطيةُ التي قدّمتها قناةُ الشرقيّةِ، وهي تنقلُ الفرحَ من بغدادَ وبقيّةِ مدنِ الوطنِ الحبيبِ، كانتِ الكاميرا تنتقلُ بينَ الساحاتِ والشوارعِ والناسِ، وهم يُلوِّحونَ بالأعلامِ، مبتسمينَ، فرحينَ، يشعرونَ بالزهوِ والفخرِ، وكأنَّ القناةَ لا تنقلُ خبرًا، بل تنقلُ قلبَ العراقِ وهو يخفقُ.
كانتْ تغطيةً مليئةً بالمحبّةِ والانتماءِ، لدرجةٍ أنّنا لم نستطعِ التوقّفَ عن متابعتِها، كأنّنا نريدُ أن نرى كلَّ مدينةٍ، وكلَّ شارعٍ، وكلَّ وجهٍ عراقيٍّ يبتسمُ في هذا اليومِ.
أمّا عنّي شخصيّاً، وفي جانبٍ آخرَ، كنتُ واحدةً من أولئكَ الذين طالما ارتبطَ لديهم صوتُ الطائراتِ بالخوفِ والقلقِ، لكنّه الآنَ، في لحظاتِ الفرحِ العراقيِّ بالفوزِ، لم يعدْ يعني الخوفَ لي شيئاً، فقد كانَ هناكَ صوتٌ آخرُ يعلو فوقَ كلِّ شيءٍ: صوتُ العراقِ وهو ينتصرُ، صوتُ الناسِ وهم يهتفونَ باسمِ بلدِهم، صوتُ الفرحِ وهو يفرضُ نفسَه حتّى على أكثرِ القلوبِ تعباً وحزناً.
المشهدُ أعادَ إلى الذاكرةِ زمناً مضى، كأنَّ الزمنَ استدارَ فجأةً ليقفَ عندَ الثمانينياتِ، حينَ تأهّلَ منتخبُ العراقِ لكرةِ القدمِ إلى نهائيّاتِ كأسِ العالمِ 1986 في المكسيكِ، يومها أيضاً خرجَ العراقيّونَ إلى الشوارعِ بفرحٍ واحدٍ، ونسوا كلَّ شيءٍ إلّا أنّهم عراقيّونَ، كأنَّ الفرحَ نفسَه يتكرّرُ، وكأنَّ الأجيالَ تتبدّلُ لكنَّ حبَّ الوطنِ يبقى هو نفسَه.
وهنا يبرزُ السؤالُ الذي يُلحُّ علينا كلَّ مرّةٍ: لماذا تُوحِّدُنا كرةُ القدمِ؟ لماذا ننسى خلافاتِنا وننصهرُ في فرحٍ جماعيٍّ عندَ فوزِ المنتخبِ؟
الإجابةُ، على الرغمَ من بساطتِها، عميقةٌ: لأنّنا، في داخلِنا، نحبُّ هذا الوطنَ، لأنَّ العراقَ يسكنُنا أكثرَ ممّا نسكنُه، ولأنَّ الانتماءَ إليه أقوى من كلِّ ما يمكنُ أن يُفرِّقَنا.
هذه المباراةُ لم تكنْ مجرّدَ فوزٍ رياضيٍّ، بل كانتْ تذكيراً صادقاً بأنَّ العراقيّينَ قادرونَ على أن يكونوا معاً، أن يفرحوا معاً، وأن يتجاوزوا، ولو مؤقّتاً، كلَّ ما يُثقلُ حياتَهم.
كانتْ درساً بسيطاً وعظيماً في أنَّ الوطنَ يتّسعُ للجميعِ، وأنَّ الفرحَ حينَ يكونُ عراقيّاً فإنّه لا يُقسَّمُ ولا يُجزَّأُ. ليتَ العراقيّينَ يظلّونَ هكذا فرحينَ متوحِّدينَ، يعلونَ فوقَ أحزانِهم، ويتخطّونَ المصاعبَ التي مرّتْ بهم، ولا يتذكّرونَ سوى شيءٍ واحدٍ: أنَّ الوطنَ للجميعِ، وأنَّ الجميعَ إخوةٌ، لا يُفرِّقُهم دينٌ ولا مذهبٌ ولا طائفةٌ، ولا يجمعُهم إلّا العراقُ وحبُّهُ.
مباركٌ للعراقِ فوزُ منتخبِهِ، ومهما سيكونُ القادمُ والمهمّةُ صعبةً، لكن يكفي هذا الوطنَ أنّهُ توحّدَ في مباراةٍ، وجمعَ قلوبَ العراقيّينَ كلَّها تحتَ علمٍ واحدٍ.
ـــــــــــــ
تاريخ النشر:
2 نيسان 2026
المصدر الأصلي: منصّة مبادرة حملة ثقافة المحبّة والسلام، بالتعاون بين دار الكتب والوثائق ومجلّة سماء الأمير الإلكترونيّة الرقميّة
رجوع