......أهلا وسهلا بكم في موقع دار الكتب والوثائق الوطنية / وزارة الثقافة والسياحة والآثار ... السلام والتعايش والتسامح والتنوع الثقافي مصطلحات تُعبِّر عن الموروث الثقافي العراقي الذي تعمل دار الكتب والوثائق على حمايته ... دار الكتب والوثائق تهدف إلى نشر ثقافة المحبة والسلام ، لأنّ المعرفة تزدهر بهما ... دار الكتب والوثائق تنشر ثقافة المحبة والسلام، لأنها فضاء خلاق مفتوح للتفاعل الفكري والمعرفي ... المكتبات بوابات المعرفة والثقافة ، ولها دور حيوي في بناء مجتمعات أكثر تسامحًا وسلامًا.. السلام والتعايش والتسامح والتنوع الثقافي مصطلحات تُعبِّر عن الموروث الثقافي العراقي الذي تعمل دار الكتب والوثائق على حمايته ... دار الكتب والوثائق تهدف إلى نشر ثقافة المحبة والسلام ، لأنّ المعرفة تزدهر بهما ... دار الكتب والوثائق تنشر ثقافة المحبة والسلام، لأنها فضاء خلاق مفتوح للتفاعل الفكري والمعرفي ... المكتبات بوابات المعرفة والثقافة ، ولها دور حيوي في بناء مجتمعات أكثر تسامحًا وسلامًا..
الصفحة الرئيسية
فعاليات الحملة
قصص ملهمة
القراءة والثقافة والأفكار المتنورة تصنع العقل المحترم
القاص والروائي علي حسين عبيد ـ بابل
خاص بمنصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام، المشتركة بين دار الكتب والوثائق ومجلة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية
يسر منصتنا عرض تجربة القاص والروائي علي حسين عبيد والتي يروي فيها كيف تعلّم الكاتب الاحترام من موقف بسيط مع فتاة خاطبته بتقدير، ثم تعزّز هذا المعنى عبر القراءة التي بدأها تصنّعاً قبل أن تتحول إلى عادة حقيقية أسهمت في بناء وعيه وشخصيته. ويؤكد أن الاحترام يُكتسب بالممارسة والمعرفة، وأن القراءة من أهم ما يصنع عقلاً واعياً يحترم ذاته والآخرين، وأن الاستمرار على السلوك الحسن، حتى إن بدأ تظاهراً، يجعله صفة أصيلة راسخة.
*****
القراءة والثقافة والأفكار المتنورة تصنع العقل المحترم
علي حسين عبيد
تعلّمتُ معنى الاحترام من فتاة تجاوزت المراهقة بقليل، كانت هذه الفتاة تخاطبني بكلمة (سيد) قبل أن تنطق اسمي، فتناديني يا (سيد علي)، في وقتها كنتُ ذا جسم ضئيل، وكيان هش، وكان بشرتي يطغي عليها السمار، وكان الوضع الاقتصادي لعائلتي مزرياً، هذه البنت التي كانت تحب قراءة الكتب، وهي من أقاربي، جعلتني أشعر بكياني وقيمتي الإنسانية حين نادتني يا (سيد).
ومن عجائب المصادفات أنها دلّتني على قراءة رواية للفتيان، كان بطلها متميزاً باحترامه الشديد للناس، حتى أولئك الذين يخالفونه الرأي أو الفكر أو سواه، كان يُبدي لهم الاحترام ويتقرّب منهم ويتفهمهم، منذ ذلك الحين الذي اجتمعت فيه نصيحة (معلّم الدين) برواية الفتيان لقريبتي الفتاة القارئة، صرتُ أتدرب على كيفية كسب الاحترام وإبدائه للآخرين.
في بداية الأمر لم أشعر أن القراءة يمكنها أن تعلّمني الاحترام، بل كثيراً ما عانيت من التأقلم معها، فأنا في قمة الحماسة الشبابية، وعندي رغبات متأججة لقتل الوقت مع أقراني من الصبْية الصغار، ولا زلت أتذكر حتى اللحظة كيف كان يمر كثير من الوقت دون طائل، عبر اللهو البريء، لكنه سرق مني ما لا يُعاد مرة أخرى، وأعني به الزمن، صحيح أن مراحل أعمارنا تفرض علينا قوانينها، لكن الوقت الذي أهدرته (شخصياً)، لم يكن صحيحاً هدْره.
قريبتي القارئة التي تسبق اسمي بكلمة (سيد)، أعابت عليّ هذا الهدر المخيف للوقت، واستطاعت أن تسحبني من عالم اللهو بالتدريج، وأجبرتني (احتراماً لها) أن أحمل الكتاب معي أينما ذهبت، وكانت حين ترى الكتاب بصحبتي تطمئن، لكنني في الحقيقة لم أكن أقرأ كما يجب، بل كنت أمثّل القراءة أو أتظاهر بها.
كنتُ حين أصعد سيارة الأجرة العمومية أحمل معي الكتاب استجابة لنصيحة رجل الدين وقريبتي القارئة، لكنني حين أفتح صفحات الكتاب، فإنني في الحقيقة لا أرى الكلمات المطبوعة في أوراقه، كنتُ أدفن وجهي في الكتاب لكن ذهني وخيالي يسرح في أحداث تحرمني من القراءة تماماً، وتتحول الورقة إلى شاشة صغيرة أرى فيها الأحداث التي تُشغل ذهني وخيالي.
مع ذلك كان يراودني شعور بأن الركاب الذين يشتركون معي في ركوب سيارة الأجرة يكنّون الاحترام لي، أما أنا فكنتُ أقنعُ نفسي بأنني نجحت في إيهامهم، وأنا كما يتوهمون إنساناً قارئاً مثقفاً لا تفارقه الكتب ولا يكفّ عن القراءة، وهكذا بمجرد شعوري باحترام الآخرين لي، أشعر بالزهو وأسعى لاحترام الآخرين في التخاطب والسلوك، لكن مع مرور الشهور والسنوات تحولت حالة القراءة إلى حقيقة وليست تصنّعاً أو إيهاماً للآخرين.
ومع مرور الوقت أيضاً، وبمواصلة القراءة، بدأت أشعر بأنني إنسان محترَم ليس تخيّلاً أو توقّعاً، وأنني لابد أن أقابل من يحترمني بما يماثل فعلهُ هذا، فالناس تنظر إلى من يقرأ على أنه مثقف، وانطلاقاً من هذه النظرة تحترمه، لكن الأمر الرائع في كل هذا، أنني حين دخلت عالم القراءة بدأتُ ذلك متصنعاً، ومحاولاً إيهام الناس بأنني مثقف، لكن الأمر لم يبق هكذا طويلاً، فقد تحوَّلت القراءة إلى طقس لا يمكن مفارقته، كما أنني بدأت أقطف ثمار القراءة.
الأفكار الجديدة، التجارب الفذة، الحياة بكل ألوانها، الشخصيات بأنواعها النادرة والمبتذلة، الأحداث بصورها المفجعة والمفرحة، الغنية والفقيرة، الطرية والجافة، الحنونة والقاسية، كل هذا وسواه رأيتهُ وعايشته في أفكار وصور وأحداث الكتب التي علّمتني كيف أحترم عقلي وذاتي، وكيف عليَّ أن احترم الآخر.
فلا سبيل أمامنا سوى صناعة العقل المحترِم، هذا العقل الذي يقطع الطريق أمام الفناء القادم، فيما لو خسرت البشرية فرصة صناعة العقل الذي يشيع ثقافة الاحترام المتبادَل بين الأمم، نعم هنالك أساليب كثيرة لصناعة هذا النوع من العقول، لكن القراءة وامتلاك الثقافة والأفكار المتنوّرة تمتلك السبل الأهم والأقدر على صنع العقل المحترِم، وجعل الاحترام صفة ورابطة بشرية عالمية.
ـــــــــ
تاريخ النشر
27 آذار 2026
المصدر الأصلي: منصّة مبادرة حملة ثقافة المحبّة والسلام، بالتعاون بين دار الكتب والوثائق ومجلّة سماء الأمير الإلكترونيّة الرقميّة
رجوع